الجصاص
27
الفصول في الأصول
وأما قوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) ( 1 ) فغير مانع مما قلنا : من قبل أن هذا القول لم يمنع تساوي الجمع في كثير من الشرائع ، فعلمنا أن المراد بعضها ، وذلك البعض الذي خالف به شريعتنا شرائعهم ، هو ما وقع فيه النسخ ، فلا يلزمنا استعماله ، وقدمنا ذكر قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) ( 2 ) إلى قوله تعالى : ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( 3 ) وهذا الظاهر قد اقتضى المساواة في الجميع ، لأن الدين اسم ينتظم جميع ما ألزمنا الله تعالى من موجبات أحكام العقل والسمع جميعا . وكذلك قوله تعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ) ( 4 ) لأن الملة اسم يجمع ذلك . ومما يدل على أن ما ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو شريعة للنبي عليه السلام : قوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ) ( 5 ) إلى قوله تعالى : ( وأولئك هم الكافرون ، والظالمون ، والفاسقون ) فانتظمت هذه الدلالة على صحة ما ذكرنا من وجوه : أحدها : أنه روي أنها نزلت في اليهود حين تحاكموا إلى النبي صل الله عليه وسلم في شأن الرجم ، فنبه بها على كذبهم ، وبهتهم في كتمانهم لأمر النبي عليه السلام ، ولأحكام التوراة ، فقال تعالى : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة ، فيها حكم الله ، ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) إلى قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فحكم بإكفارهم في الإعراض عن الرجم ، الذي كان صار شريعة للنبي عليه السلام ، والامتناع من قبول شريعته فيه ، فصار كأنه ( 6 ) كتب عليهم في التوراة . وغير جائز أن يكون الحكم بإكفارهم متعلقا بتركهم الرجم الذي كان من حكم التوراة ، لأنهم قد كانوا مأمورين بترك تلك الشريعة ، واتباع شريعة النبي عليه السلام ، فغير جائز أن يكونوا مستحقين لسمة الكفر في هذه ( 7 ) الحال بتركهم حكم التوراة ، إذ هم